الشيخ محمد الصادقي الطهراني

236

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

والمستحِلُّ المستغِلُّ من الأموال العامة أكثر من سعيه أو مستحقة أمن ذا من آكلٍ ما ليس له إذ لا يقابله سعى واستحقاق ، اللّهم إلّا العجزة والقُصَّر العاجزون عن سعي يكفيهم لضرورة المعاش حيث يأكلون من بيت المال دونما تدجيل ولا إدغال . فصيغة الربا - وهي لغوياً الانتفاخ والزيادة - « 1 » تعم كل هذه وتلك مهما اختلفت دركاتها . فكل انتفاخ لمال أو عمل أمّا شابه ، يخيِّل إلى الناظر حقيقةَ الواقع وواقع الحقيقة ، لتُستلب به زيادةٌ عن الحق ، تشمله الربا فإنها زيادة عن الحق في كل الأعراف السليمة فضلًا عن المسلمة ، مهما اختلفت رباً عن رباً . فالذي يقرض مالًا له بفائِدة مستمرة ودون عمل منه ، هو أربى المرابين ، ثم وأرباهم مَن يأكل الربا أضعافاً مضاعفة ، إنتفاعاً من الربا كانتفاعه من رأس مالها ، فهو رباً على رباً ، ثم ربا المعاملة في آية معاوضة . ثم الذي يَعمل أو يُعمل له ويأخذ زيادة - يسيرة أو كثيرة - عن استحقاقه في عمله وسعيه هو أدنى المرابين مهما اختلفت دركاتهم . هنا مثلث الآيات تتجاوب في حرمة اكل زيادة عن السعي ، فآية الاكل بالباطل تمنع عن اكل كل باطل ، وآية السعي تحصره في السعي قَدَره العادل ، وآية الربا تمنع كذلك عن كل زيادة عن الاستحقاق العاقل . وليست الزيادة الممنوعة محصورة في المساحة عملًا أو سلعة أماهيه ، أم زيادة الثقل أو العدد ، إنما هي - ككل - زيادة السعر عن العادل المعتدل . فخلاف ما يقال أن مناً من سمن لا يبدَّل بأكثر منه من لبنه لإتحاد الأصل ، نقول لا تجوز المبادلة بينهما إلّا بسوي السعر ، فقد يسوى منٌّ من الدهن عشرين مناً من اللبن فلا رباً في هذه الزيادة وزناً ، بل وإذا تساويا وزناً فأخذ السمن بديلًا عن قدره من اللبن هو الاكل بالباطل عشرين ضعفاً . ثم ولا تختص الربا المعاملية بالبيع ، حيث تعم كل المعاملات الربوية ، ولا بالمكيل

--> ( 1 ) . فالإنتفاخ مقدمة للزيادة ، فكما الإنتفاخ تظاهر بما ليست له حقيقة ولا واقع ، ثم يستجلب به زيادة حق‌ليست بحق كذلك الربا ككل ، إنتفاخاً لرأس المال ليؤكل من منافعه دون عمل ، أو إنتفاخاً للعمل حتى يؤخذ عليه أجر أكثر ، أو إنتفاخاً لسلعة حتى تبدل بثمن أكثر وهكذا